محمد بن جرير الطبري
358
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يصلي كذلك هو الذي الأَغلب منه الهلاك بإقامة الصلاة بحدودها ، وذلك حال شدة الخوف ؛ لأَن : محمد بن حميد وسفيان بن وكيع حدثاني ، قالا : ثنا جرير ، عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف : الأَمير وطائفة من الناس معه ، فيسجدون سجدة واحدة ، ثم تكون طائفة منهم بينهم وبين العدو ، ثم ينصرف الذين سجدوا سجدة مع أميرهم ، ثم يكونون مكان الذين لم يصلوا ، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون مع أميرهم سجدة واحدة ، ثم ينصرف أميرهم وقد قضى صلاته ، ويصلي بعد صلاته كل واحد من الطائفتين سجدة لنفسه ، وإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا " حدثني سعيد بن يحيى الأموي ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا ابن جريح ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إذا اختلفوا يعني في القتال فإنما هو الذكر ، وأشار بالرأس . قال ابن عمر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كانوا أكثر من ذلك فيصلون صلاة الخوف قياما وركبانا " . ففصل النبي بين حكم صلاة الخوف في غير حال المسايفة والمطاردة وبين حكم صلاة الخوف في حال شدة الخوف والمسايفة ، على ما روينا عن ابن عمر . فكان معلوما بذلك أن قوله تعالى ذكره : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً إنما عنى به الخوف الذي وصفنا صفته . وبنحو الذي روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم روي عن ابن عمر أنه كان يقول : حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال في صلاة الخوف : يصلى بطائفة من القوم ركعة وطائفة تحرس ، ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم ، ثم يجيئ أولئك ، فيصلي بهم ركعة ، ثم يسلم ، وتقوم كل طائفة فتصلي ركعة . قال . فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا . وأما عدد الركعات في تلك الحال من الصلاة صلاة الخوف ، فإني أحب أن لا يقتصر من عددها في حال الأَمن ، وإن قصر عن ذلك فصلى ركعة رأيتها مجزئة ، لأَن : بشر بن معاذ حدثني ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن بكر بن الأَخنس ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين ، وفي صلاة الخوف ركعة . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وتأويل ذلك : فإذا أمنتم أيها المؤمنون من عدوكم أن يقدر على قتلكم في حال اشتغالكم بصلاتكم التي فرضها عليكم ومن غيره ممن كنتم تخافونه على أنفسكم في حال صلاتكم ، فاطمأننتم ، فاذكروا الله في صلاتكم وفي غيرها ، بالشكر له والحمد والثناء عليه ، على ما أنعم به عليكم من التوفيق لإِصابة الحق الذي ضل عنه أعداؤكم من أهل الكفر بالله ، كما ذكركم بتعليمه إياكم ، من أحكامه ، وحلاله ، وحرامه ، وأخبار من قبلكم من الأَمم السالفة ، والأَنباء الحادثة بعدكم في عاجل الدنيا وأجل الآخرة ، التي جهلها غيركم ، وبصركم من ذلك وغيره ، إنعاما منه عليكم بذلك ، فعلمكم منه ما لم تكونوا من قبل تعليمه إياكم تعلمون . وكان مجاهد يقول في قوله : فَإِذا أَمِنْتُمْ ما : حدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد : فَإِذا أَمِنْتُمْ قال : الصلاة في حال الأَمن خرجتم من دار السفر إلى دار الإِقامة . وبمثل الذي قلنا من ذلك قال ابن زيد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قال : فإذا أمنتم ، فصلوا الصلاة في حال الأَمن كما افترض الله عليكم إذا جاء الخوف ، كانت لهم رخصة . وقوله هاهنا فَاذْكُرُوا اللَّهَ قال : الصلاة كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وهذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد خرجتم من دار السفر إلى دار الإِقامة قول غيره أولى بالصواب منه ، لإِجماع الجميع على أن الخوف متى زال فواجب على المصلي